أحمد بن علي الرازي
5
شرح بدء الأمالي
وسيتضح للقارئ وهو بين طيات الكتاب ، أن النظر والعقل ، وهو التأمل والتفكر والتأويل والاستنباط ، هي طريقة المصنف في النفي والإثبات على طريقة التوسط كما قلنا ، فتارة يستدل بظواهر الكتاب والسنة وهو قليل ، وتارة يسير على طريقة الكلاميين المتفلسفة . ونحن نقول إحقاقا للحق : إن هذا الكتاب من الذخائر النفيسة ، ومن التراث الّذي نحمد الله أن جعله بين أيدينا ، إلا أن لكل عالم زلة ، ولكل جواد كبوة . فاللهم أجز كاتبه بحسنات هذا الكتاب ذخرا في الآخرة واغفر لزلاته آمين . لذا فإنا نحذر القارئ من هفوات تخالف عقيدة جمهور أهل السنة والجماعة ، ونعرفه أن مذهب السلف من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وتابعيهم وهو إيراد أدلة الصفات على ظاهرها من دون تحريف لها ولا تأويل متعسف لشيء منها ولا جبر ولا تشبيه ولا تعطيل يفضى إليه كثير من التأويل ، وكانوا إذا سأل سائل عن شيء من الصفات تلوا عليه الدليل ، وأمسكوا عن القال والقيل ، وقالوا : قال الله هكذا ولا ندري بما سوى ذلك ولا نتكلف ولا نتكلم بما لم نعلم ولا أذن الله لنا مجاوزته فإن أراد السائل أن يظفر منهم بزيادة على الظاهر زجروه عن الخوض فيما لا يعنيه ونهوه عن طلب ما لا يمكن الوصول إليه إلا بالوقوع في بدعة من البدع التي هي غير ما هم عليه وما حفظوه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وحفظه التابعون عن الصحابة وحفظه من بعد التابعين عن التابعين « 1 » . فالحذر الحذر من مخالفة الجماعة ، واتباع الطرق الكلامية ، والمناهج الفلسفية ؛ فإنها عقبة كئود لا يصعد إليها إلا من لا يبالي بدينه ولا يحرص عليه ؛ لأنه مبنى على شفى جرف هار ، وعلى ظلمات بعضها فوق بعض . وكان عمر بن عبد العزيز يقول كلمات كان مالك يأثرها عنه كثيرا ، قال : « سن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله ، واستعمال لطاعة الله ، ومعونة على دين الله ، ليس لأحد تغييرها ولا النظر في رأى من خالفها ، فمن خالفها ، واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله تعالى ما تولى ، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا » . * * *
--> ( 1 ) المرجع السابق .